فخر الدين الرازي

125

المطالب العالية من العلم الإلهي

يمكنه أن يقول : إنه تعالى لا يجوز منه أن يفعل [ ما قد يؤدي « 1 » ] إلى الجهل والتلبيس ؟ لا يقال : الدليل على أنه لا يجوز من اللّه تعالى إظهار المعجز على يد الكذاب : أنه تعالى قادر على أن يعرفنا صدق الأنبياء عليهم السلام على سبيل الضرورة . فوجب أيضا أن يقدر [ على « 2 » ] أن يعرفنا صدقهم بالدليل ، وإلا لزم المعجز . ثم إنه ثبت أنه لا دليل سوى المعجز ، فلو جوزنا من اللّه تعالى أن يظهر المعجز على يد الكاذب ، فحينئذ لزم أن لا يقدر اللّه تعالى على أن يعرفنا صدق الأنبياء على سبيل الاستدلال . وذلك يفضي إلى تعجيز اللّه تعالى ، وأنه محال . لأنا نقول : هذا الكلام ضعيف من وجوه : الأول : لا نسلم أنه تعالى لما قدر على أن يعرفنا صدق الأنبياء على سبيل الاضطرار ، وجب أن يقدر على أن يعرفنا من صدقهم على سبيل الاستقلال . وما الجامع بينهما ؟ ثم إن القول « 3 » بأن اللّه تعالى هو الخالق للكفر والفواحش ، يمتنع أن ينفي المعجز وجه دلالته على الصدق . والقادر إنما يكون قادرا على ما يكون في نفسه جائزا صحيحا ، لا على ما يكون في نفسه ممتنعا . وليس كذلك تعريف صدقهم على سبيل الضرورة . لأن ذلك غير ممتنع في نفسه ، فصح كونه قادرا عليه . وظهر الفرق . الثاني : سلمنا أنه تعالى لما قدر على تعريف صدق الأنبياء اضطرارا ، وجب أن يقدر على تعريف صدقهم بالاكتساب . إلا أن مذهبكم يفضي إلى أن لا يقدر اللّه تعالى على ذلك ، فكان مذهبكم مفضيا إلى المحال ، فوجب أن يكون محالا . وأنتم ما زدتم على هذا ، إلّا السعي في إبطال مذهبكم . الثالث : إنكم قلتم : إنه لا يصح من اللّه تعالى إظهار المعجز على يد

--> ( 1 ) من ( ط ، ل ) . ( 2 ) سقط ( م ) . ( 3 ) إن الفرق القول ( م ) .